ابن قيم الجوزية

297

الروح

له لون ومنها ما لا لون له ، ومنها ما لا يقبل الحرارة والبرودة ، ومنها ما لا يقبله ، على أن النفس من الكيفيات المختصة بها ما لا يشاركها فيها البدن ولها خفة وثقل وحرارة وبرودة ويبس ولين يحبسها وأنت تجد الإنسان في غاية الثقالة وبدنه نحيل جدا وتجده في غاية الخفة وبدنه ثقيل وتجد نفسا لينة وادعة ونفسا يابسة قاسية ، ومن له حس سليم يشم رائحة بعض النفوس كالجيفة المنتنة ورائحة بعضها أطيب من ريح المسك وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا مر في طريق بقي أثر رائحته في الطريق ويعرف أنه مر بها وتلك رائحة نفسه وقلبه ، وكانت رائحة عرقه من أطيب شيء وذلك تابع لطيب نفسه وبدنه وأخبر وهو أصدق البشر أن الروح عند المفارقة يوجد لها رائحة كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض أو كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ، ولولا الزكام الغالب لشم الحاضرون ذلك على أن كثيرا من الناس يجسد ذلك وقد أخبر به غير واحد ويكفي فيه خبر الصادق المصدوق ، وكذلك أخبر بأن أرواح المؤمنين مشرقة وأرواح الكفار سود . وبالجملة فكيفيات النفوس أظهر من أن ينكرها إلا من هو من أجل الناس بها . فصل قولكم في الثامن عشر : لو كانت النفس جسما لوجب أن تقع تحت جميع الحواس أو تحت حاسة منها . إلى آخره . فجوابه : منع اللزوم فإنكم لم تذكروا عليه شبهة فضلا عن دليل ، ومنع انتقاء اللازم فإن الروح تدرك بالحواس فتلمس وترى وتشم لها الرائحة الطيبة والخبيثة كما تقدم هم النفوس المستفيضة ولكن لا نشاهد نحن ذلك وهذا الدليل لا يمكن ممن يصدق الرسل أن يحتج به فإن الملك جسم ولا يقع تحت حاسة من حواسنا ، وكذلك الجن والشياطين أجسام لطاف لا تقع تحت حاسة من حواسنا ، والأجسام مفاوتة في ذلك تفاوتا كثيرا ، فمنها ما يدرك بأكثر الحواس ، ومنها ما لا يدرك بأكثرها ، ومنها ما يدرك بحاسة واحدة ، ومنها ما لا ندركه نحن في الغالب وإن أدرك في بعض الأحوال لكونه لم يخلق لنا إدراكه أو لمانع يمنع من إدراكه أو للطفه عن إدراك حواسنا ، فما عدم اللون من الأجسام لم يدرك بالبصر كالهواء والنار في